ابن خلدون
358
تاريخ ابن خلدون
أبو العباس بن مكي وسارت العساكر لطلب الأمير أبى حفص فأدركوه بأرض الحامة من جهات قابس وصبحوهم فدافعوا عن أنفسهم بعض الشئ ثم انفضوا وكبا بالأمير أبى حفص جواده في بعض نافقاء اليرابيع وانجلت الغيابات عنه وعن مولاه ظافر راجلين فتقبض عليهما وأوثقهما قائد الكتائب بيده حتى إذا جن الليل وتوقع أن يفلتهما العرب من إساره قبل أن يصل بهما إلى مولاه فذبحهما وبعث برؤسهما إلى السلطان أبى الحسن فوصلا إليه بباجة وخلص الفل من الواقعة إلى قابس فتقبض عبد الملك بن مكي على رجالات من أهل الدولة كان فيهم أبو القاسم بن عتو من مشيخة الموحدين وصخر بن موسى من رجالات سدويكش وغيرهما من أعيان الدولة فبعث بهم ابن مكي إلى السلطان فأما ابن عتو وصخر بن موسى وعلي بن منصور فقطعهم من خلاف واعتقل الباقي وسبقت العساكر إلى تونس ثم جاء السلطان على أثرهم ودخل الحضرة في الزي والاحتفال في جمادى الأخيرة من سنته وخفتت الأصوات وسكنت الدهماء وانقبضت أيدي أهل الفساد وانقرض أمر الموحدين الا أذيالا في بونة فإنه عقد عليها للمولى الفضل ابن مولانا أبى بكر لمكان صهره ووفادته عليه بين يدي مهلك أبيه ثم ارتحل السلطان إلى القيروان ثم إلى سوسة والمهدية وتطوف على المعالم التي بها ووقف على آثار ملوك الشيعة وصنهاجة في مصانعها ومبانيها والتمس البركة في زيارة القبور التي تذكر للصحابة والسلف من التابعين والأولياء في ساحتها وقفل إلى تونس فدخلها آخر شعبان والله تعالى أعلم * ( الخبر عن ولاية الأمير أبى العباس الفضل على بونة وأولية ذلك ومصايره ) * كان السلطان أبو الحسن قد أصهر إلى السلطان أبى بكر قبيل مهلكه في احدى كرائمه وأوفد عليه في ذلك عريف بن يحيى كبير بنى سويد من زغبة وصاحب شواره وخالصة سره مع وفد من رجالات دولته في طبقات الفقهاء والكتاب والموالي كان فيهم صاحب الفتيا بمجلسه أبو عبد الله السطي وكاتب دولته أبو الفضل عبد الله بن أبي مدين وأمير الحرم عنبر الخصي فأسعفه السلطان وعقد له على حظيته عزونة بتقة ابنة الفضل وزفها إليه بين يدي مهلكه مع أخيها الفضل ومعه أبو محمد عبد الواحد بن الجماز من مشيخة الموحدين وأدركهم الخبر بمهلك السلطان في طريقهم فلما قدموا على السلطان أبى الحسن تقبلهم بقبول حسن ورفع مجلس الفضل واستتب له ملكها فأعرض عن ذكر ذلك إلا أنه رعى له ذمة الصهر وسابقة الوعد فأسعفه بالعقد على بونة مكان عمله منذ أيام أبيه وأنزله بها عندما رحل عنها إلى تونس وانقمع المولى الفضل من ذلك حقدا لما يرجوه من تجافيهم له عن ملك آبائه لحق وفادته وصهره وأقام بمكان عمله منها يؤمل الكر